الشيخ السبحاني

513

بحوث في الملل والنحل

استدلّ بوجود العصاة على عدم وجوبه ، فهو تصوّر أنّ اللّطف عبارة عمّا لا يتخلّف معه المكلّف عن الإتيان بالطاعة وترك المعصية ، فنتيجته كون وجود العصيان دليلًا على عدم وجوبه ، وعدم وجوده دليلًا على وجوبه ، مع أنّك قد عرفت في أدلّة القائلين به بأنّه ما يكون مقرِّباً إلى الطاعة ومبعِّداً عن المعصية من دون أن يبلغ حدّ الإلجاء . يقول القاضي عبد الجبّار : « إنّ العباد على قسمين ، فإنّ فيهم من يعلم اللَّه تعالى من حاله أنّه إن فعل به بعض الأفعال كان عند ذلك يختار الواجب ويتجنّب القبيح ، أو يكون أقرب إلى ذلك ، وفيهم من هو خلافه حتّى إن فعل به كلّ ما فعل لم يختر عنده واجباً ولا اجتنب قبيحاً » . « 1 » ويؤيِّده ما ورد في الذِّكر الحكيم من أنّ هناك أُناساً لا يؤمنون أبداً ولو جاءهم نبيّهم بكلِّ أنواع الآيات والمعاجز . قال سبحانه : « وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ » « 2 » . وقال سبحانه : « وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ » « 3 » . وفي الختام نقول : إنّ اللُّطف سواء أكان المراد منه اللّطف المحصِّل أم اللّطف المقرِّب ، من شؤون الحكمة ، فمن وصفه سبحانه بالحكمة والتنزّه

--> ( 1 ) . شرح الأُصول الخمسة : 520 . ( 2 ) . يونس : 101 . ( 3 ) . البقرة : 145 .